نظمت جمعية الإمارات للتنمية الاجتماعية بمقرها في رأس الخيمة، جلسة حوارية بعنوان «الإمارات.. في المشهد العالمي الجديد»، استضافت خلالها الأكاديمي الإماراتي الدكتور عبدالخالق عبدالله، وأدار حوارها الإعلامي محمد الحمادي، بحضور عدد من أعضاء المجلس الوطني الاتحادي ومديري الدوائر الحكومية والشخصيات والمهتمين بالشأن العام وأفراد المجتمع.
واستعرض الدكتور عبدالخالق عبدالله خلال الجلسة التحولات التي شهدتها مكانة دولة الإمارات خلال السنوات الأخيرة، وانتقالها من نطاق الحضور الإقليمي إلى قوة إقليمية صاعدة ذات حضور ونفوذ عالميين، مؤكداً أن الدولة باتت تقيس تقدمها وإنجازاتها وفق أفضل المؤشرات والمعايير العالمية، مستندة إلى نموذج تنموي يجمع بين قوة الاقتصاد وفاعلية الدبلوماسية والاستثمار في الإنسان والقطاعات المستقبلية.
وأشار إلى أن حجم التجارة الخارجية للدولة الذي يتجاوز تريليون دولار، وأصول صناديقها السيادية التي تتجاوز تريليوني دولار، يعكسان الثقل الاقتصادي والمالي الذي باتت تتمتع به الإمارات، ومكانتها مركزاً عالمياً للتجارة والخدمات اللوجستية والمال والاستثمار.
وأكد أن المصداقية والشراكات الدولية والدبلوماسية النشطة تمثل ركائز أساسية في الحضور الإماراتي، وأسهمت في توسيع شبكة علاقات الدولة وتعزيز قدرتها على بناء جسور التعاون مع مختلف القوى والاتجاهات الدولية، ومنحت سياستها الخارجية مرونة في التعامل مع المتغيرات وحماية المصالح الوطنية.
وحدد عبدالله ثلاثة تحولات رئيسية تعيد تشكيل المشهد العالمي، تتمثل في المتغيرات السياسية الدولية، والتقدم التكنولوجي المتسارع وفي مقدمته الذكاء الاصطناعي، والتأثير المتنامي لمنصات التواصل الاجتماعي في تشكيل الرأي العام، مؤكداً أن استشراف موقع الإمارات في المستقبل يتطلب قراءة هذه التحولات باعتبارها مسارات مترابطة تؤثر بعضها في بعض.
وتناول في المحور السياسي طبيعة التحولات التي تشهدها العلاقات الدولية، وأهمية تعامل الدول معها بواقعية تستند إلى مصالحها الوطنية، مشيراً إلى أن إدارة العلاقات والشراكات الاستراتيجية تتطلب قراءة انعكاساتها على ملفات الأمن والدفاع والاقتصاد والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، مع المحافظة على قوة العلاقات المؤسسية بين الدول وقدرتها على الاستمرار في ظل تغير الحكومات والسياسات.
وفي المحور التقني، أكد عبدالله أن الذكاء الاصطناعي يمثل واحداً من أكبر التحولات التي ستعيد صياغة الاقتصاد والسياسة والعلاقات الدولية ومختلف جوانب الحياة، مشيراً إلى أن الإمارات أدركت مبكراً أهمية هذا التحول، وتحركت للاستثمار في تقنياته وبنيته التحتية.
وأوضح أن الدولة انتقلت من استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي وتوظيفها إلى بناء قدرات متقدمة والعمل على تطوير حلول وتقنيات، بالتوازي مع استثماراتها في البنية التحتية الرقمية، مؤكداً أن المنافسة العالمية في المرحلة المقبلة سترتبط بدرجة متزايدة بالقدرة على امتلاك التكنولوجيا وتطويرها والاستفادة منها.
وأشار إلى أن ما أنجزته الإمارات في البنية التحتية التقليدية من مطارات وموانئ وشبكات نقل ومرافق متطورة، يتوازى اليوم مع توجه متسارع لبناء بنية تحتية رقمية ومعرفية تدعم تنافسية الدولة واستعدادها لاقتصاد المستقبل.
وتناول عبدالله التحول المتسارع في تأثير شبكات التواصل الاجتماعي، مؤكداً أنها تجاوزت دورها كوسائل للاتصال وتبادل المعلومات لتصبح أحد أهم الفاعلين في تشكيل الرأي العام والمواقف والاتجاهات الاجتماعية والاقتصادية.
وأشار إلى أن هذا التحول يفرض تطوير أدوات الحضور والتأثير في الفضاء الرقمي، خصوصاً مع الانتشار المتسارع للمعلومات المضللة والمحتوى المفبرك، مؤكداً أهمية بناء خطاب قادر على مواكبة طبيعة المنصات الجديدة والوصول إلى الجمهور بكفاءة ومصداقية.
وأوضح أن قوة الحضور الإماراتي في الخارج ترتبط بصورة مباشرة بنجاح النموذج التنموي في الداخل، لافتاً إلى أن الإنجازات الوطنية في مجالات الاقتصاد والذكاء الاصطناعي والفضاء والطاقة المتجددة والبنية التحتية أصبحت عناصر تعزز صورة الدولة وقدرتها على بناء شراكات دولية فاعلة.
وأشار إلى أن النموذج الإماراتي بات يحظى باهتمام إعلامي وأكاديمي متزايد، لما يقدمه من تجربة ترتبط بالاستقرار والتنمية والازدهار والقدرة على استشراف المستقبل، مؤكداً أن المحافظة على جاذبية هذا النموذج تتطلب الاستمرار في تطويره وتعزيز أدوات تقديمه والتواصل بشأنه عالمياً.
وتطرق عبدالله إلى مفهوم «لحظة الخليج»، مؤكداً أن صعود دول مجلس التعاون لا يزال مستمراً، وأن المنطقة أصبحت تمثل مركز ثقل اقتصادياً ومالياً ودبلوماسياً وتجارياً وإعلامياً في العالم العربي، مع تنامي حضورها في الملفات الإقليمية والدولية.
وأوضح أن الدور الخليجي لم يعد مقتصراً على الاقتصاد والطاقة، وإنما امتد إلى مجالات المعرفة والثقافة والتكنولوجيا والإعلام، في وقت تفرض فيه التحولات الأمنية والسياسية المحيطة بالمنطقة أهمية تعزيز التنسيق والتكامل الخليجي والمحافظة على الأمن والاستقرار والمصالح المشتركة.
وشدد عبدالله على أن الاقتصاد يمثل إحدى الركائز الأساسية لقوة الإمارات وتأثيرها الدولي، وأن توسع شبكة الشراكات التجارية والاستثمارية يعزز قدرة الدولة على بناء علاقات استراتيجية طويلة الأمد، مشيراً إلى أن القوة الاقتصادية لم تعد منفصلة عن الحضور السياسي والدبلوماسي والتكنولوجي، وإنما أصبحت جميعها عناصر متكاملة في منظومة القوة والتأثير.
وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب مواصلة الاستثمار في الإنسان والمعرفة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي، إلى جانب تطوير أدوات التواصل والتأثير، والمحافظة على قوة النموذج التنموي الإماراتي باعتباره الأساس الذي يستند إليه حضور الدولة ومكانتها في المشهد العالمي الجديد.
من جانبه، أكد خلف سالم بن عنبر، مدير عام جمعية الإمارات للتنمية الاجتماعية، أن فهم التحولات التي يشهدها العالم وقراءة موقع دولة الإمارات فيها يمثلان جزءاً مهماً من بناء الوعي المجتمعي، خصوصاً في مرحلة تتداخل فيها المتغيرات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية والإعلامية بصورة غير مسبوقة.
وقال: «إن قراءة موقع الإمارات في العالم تتيح لأفراد المجتمع فهماً أعمق للمنجز الوطني، وللجهود التي رسخت حضور الدولة من خلال المصداقية والعمل والشراكات المتوازنة. وهذا الوعي يعزز الولاء والانتماء القائمين على المعرفة والاعتزاز بالهوية الوطنية، ويعمق مسؤولية الفرد في المحافظة على مكتسبات وطنه والمساهمة في مسيرته».
وأضاف أن رؤية القيادة الرشيدة قامت على استشراف المستقبل والاستثمار في الإنسان وبناء القدرات الوطنية، وهو ما مكن الإمارات من التعامل بثقة ومرونة مع التحولات العالمية، مؤكداً حرص الجمعية على استضافة المفكرين والأكاديميين وأصحاب الخبرة لفتح مساحات للحوار المسؤول، وربط أفراد المجتمع بالقضايا والمتغيرات التي تؤثر في حاضر الدولة ومستقبلها.