نظّمت جمعية الإمارات للتنمية الاجتماعية برأس الخيمة جلسة حوارية بعنوان «عقول تصنع المستقبل»، استضافت خلالها الدكتورة مريم الشناصي، الباحثة والروائية، وأدار الجلسة الشاعر عبدالله الهدية، وذلك ضمن سلسلة «كفاءات وطنية» التي تسلط الضوء على التجارب والخبرات الإماراتية الرائدة، وتبرز إسهاماتها في بناء الإنسان وتعزيز مسيرة التنمية واستشراف المستقبل.
وناقشت الجلسة مجموعة من القضايا الفكرية والمعرفية والتنموية، شملت مستقبل التعليم وبناء رأس المال البشري، ودور الثقافة والآداب في تشكيل الوعي المجتمعي، والصحة البيئية وجودة الحياة، والفنون والصناعات الإبداعية، إلى جانب التنمية الاقتصادية المستدامة، في حوار أبرز أهمية التكامل بين المعرفة والثقافة والابتكار والاقتصاد في بناء مستقبل أكثر استدامة وتنافسية.
واستعرضت الدكتورة مريم الشناصي، انطلاقاً من تجربتها البحثية والأدبية، العلاقة الوثيقة بين المعرفة والتنمية، وأهمية الاستثمار في العقول الوطنية وإطلاق طاقاتها الإبداعية، باعتبار الإنسان المؤهل بالعلم والمعرفة والوعي أحد أهم مقومات تقدم المجتمعات وقدرتها على مواكبة التحولات العالمية.
وتناول الحوار دور الثقافة والآداب في بناء الوعي وتعزيز الهوية الوطنية، وما تمثله الكتابة والإبداعات الأدبية من أدوات لتوثيق الذاكرة المجتمعية ونقل التجارب الإنسانية والقيم بين الأجيال، إلى جانب دور المثقف والباحث في قراءة التحولات الاجتماعية وطرح الأفكار التي تسهم في تطوير المجتمع وتعزيز قدرته على التفكير النقدي واستشراف المستقبل.
التعليم ورأس المال البشري
وفي محور مستقبل التعليم، ناقشت الجلسة أهمية تطوير المنظومة التعليمية بما يتناسب مع التحولات المعرفية والتكنولوجية المتسارعة، والانتقال من التركيز على اكتساب المعلومات إلى تنمية المهارات والقدرات التي يحتاجها الإنسان في المستقبل، وفي مقدمتها التفكير النقدي والإبداع والابتكار والتعلم المستمر والقدرة على التكيف مع المتغيرات.
وسلط الحوار الضوء على أهمية بناء رأس مال بشري يمتلك المعرفة والمهارات المستقبلية، ويستطيع توظيف التقنيات الحديثة في إنتاج الحلول والمبادرات، بما يعزز جاهزية الأجيال الجديدة للمشاركة الفاعلة في مسيرة التنمية، ويواكب توجهات دولة الإمارات نحو الاقتصاد القائم على المعرفة والابتكار.
الثقافة والاقتصاد الإبداعي
وتطرقت الجلسة إلى الدور المتنامي للفنون والآداب والصناعات الثقافية في الاقتصاد الحديث، وأهمية الانتقال بالإبداع من كونه تعبيراً ثقافياً وفنياً إلى قطاع منتج للقيمة الاقتصادية والمعرفية، يفتح آفاقاً جديدة للمواهب الوطنية ورواد الأعمال والمبدعين.
وناقش الحوار فرص الاستثمار في الصناعات الإبداعية، وما تتيحه من إمكانات لتحويل الأفكار والمواهب إلى مشروعات ومبادرات تسهم في تنويع الاقتصاد، وتعزز حضور المنتج الثقافي الإماراتي محلياً وعالمياً، مع المحافظة على خصوصيته وهويته الوطنية.
كما أبرزت الجلسة أن الثقافة لا تنفصل عن التنمية، بل تمثل أحد روافدها الأساسية، لما تؤديه من دور في بناء الشخصية الإنسانية، وتعزيز قيم الانفتاح والتسامح والحوار، وتقديم صورة حضارية تعكس تاريخ المجتمع الإماراتي وتجاربه وتطلعاته المستقبلية.
الاستدامة وجودة الحياة
وفي محور الصحة البيئية، تناولت الجلسة العلاقة بين سلامة البيئة وصحة الإنسان وجودة الحياة، وأهمية تعزيز الوعي المجتمعي بالممارسات المستدامة التي تسهم في المحافظة على الموارد الطبيعية والحد من التأثيرات البيئية، باعتبار الاستدامة مسؤولية مشتركة تتطلب تكامل الجهود المؤسسية والسلوك الفردي.
وناقش الحوار أهمية النظر إلى التنمية من منظور شامل يوازن بين النمو الاقتصادي والمحافظة على البيئة ورفاه الإنسان، بما يضمن استدامة الموارد والفرص للأجيال المقبلة، ويعزز قدرة المجتمع على مواجهة التحديات البيئية والتنموية.
كما تناولت الجلسة دور الابتكار وريادة الأعمال وتنويع الأنشطة الاقتصادية في دعم التنمية المستدامة، وأهمية توظيف المعرفة والبحث العلمي والإبداع في تطوير حلول ومشروعات قادرة على تحقيق قيمة اقتصادية واجتماعية وبيئية متكاملة.
وأكدت محاور الجلسة أن صناعة المستقبل لا ترتبط بقطاع واحد، وإنما تقوم على التكامل بين التعليم والثقافة والاقتصاد والبيئة، وأن الاستثمار في الإنسان وقدراته الفكرية والإبداعية يمثل القاسم المشترك بين هذه المسارات، والأساس الذي تنطلق منه المجتمعات نحو التقدم والريادة.
من جانبه، أكد خلف سالم بن عنبر، مدير عام جمعية الإمارات للتنمية الاجتماعية، أن دولة الإمارات أرست نموذجاً تنموياً جعل الاستثمار في الإنسان والعلم والمعرفة ركيزة أساسية لصناعة المستقبل، مشيراً إلى أن الكفاءات الوطنية تمثل ثروة فكرية ومعرفية تسهم في نقل الخبرات وإلهام الأجيال وتعزيز ثقافة الابتكار والإبداع.
وأضاف أن القيادة الرشيدة أولت تمكين الكفاءات الوطنية اهتماماً استثنائياً، ووفرت بيئة محفزة للعلم والإبداع والبحث والابتكار، ما أسهم في ترسيخ مكانة دولة الإمارات نموذجاً للتنمية القائمة على المعرفة واستشراف المستقبل، مؤكداً أهمية إبراز التجارب الوطنية التي تجمع بين التميز المهني والعطاء الفكري والمسؤولية المجتمعية.
وأشار بن عنبر إلى أن سلسلة «كفاءات وطنية» تجسد حرص الجمعية على بناء جسور التواصل بين أصحاب الخبرات وأفراد المجتمع، وفتح مساحات للحوار وتبادل المعرفة والتجارب، بما يعزز الاعتزاز بالكفاءات الإماراتية ويرسخ قيم الولاء والانتماء، ويشجع الشباب على تطوير قدراتهم وتحويل طموحاتهم إلى إنجازات تسهم في خدمة الوطن.